نحن نترك الحقائق تفعل الحديث.

عولمة العلاقات العامة

العلاقات العامة نشاط لا يستغني عنه أي كيان، لأنها الرابط بينه وبين أي شريحة مستهدفة، لإيصال رسائل مقنعة تتركز حول رؤيتها ورسالتها وأهدافها. ويظل السؤال القائم في هذا الصدد، كيف يمكن قياس النتائح الحقيقية لأنشطة العلاقات العامة على اختلاف أنواعها؟

ربما كانت الإجابة عن هذا السؤال معقدة إلى حد ما قبل فترة زمنية قصيرة لا تتعدى عقدًا واحدًا أو عقدين على الأكثر، والسبب كما يعرفه الكثيرون منا، اختزال نشاط العلاقات العامة على الإصدارات التي لطالما كانت المرآة الحقيقية التي تظهر نشاط هذا الكيان أو ذاك.

ويمكن القول بلا أي تردد أن العلاقات العامة تعدّ من أكثر القطاعات عرضة لتأثيرات عولمة الإعلام، وما دخل إليه من قنوات لم تخطر على بال صناع القرار، بل إنها باغتتهم بسرعة انتشارها، والإقبال على تبنّيها بشكل واسع من قبل مختلف الشرائح، وإن كان جيل الألفية أشدّ حماسة لها.

ظهور هذه القنوات غيّرت قواعد اللعبة، سواء على مستوى الحملات الممنهجة التي تصمّمها الوكالات، أو حتى الاستراتيجيات المتعلقة بإدارة الأزمات، إذ يكفي نشر صورة أو تعليق على يد مؤثر مغمور أن تحدث زلزالاً فيروسيًا على قنوات التواصل الاجتماعي كافة، وما قد يحصده من متابعات أو تعليقات سلبية كانت أو إيجابية .. والأمثلة كثيرة ولا حصر لها.

هذا الواقع يحتّم على الكيانات، حكومية وخاصة، التعامل بذكاء مشوب بالحذر، ليس فقط إزاء ما قد يصدر عنها من بيانات، أو ما يقوم بها مسؤولوها من تصرفات، بل عند الكشف عن أي منتج أو نشاط أو خدمة، وصياغة الاستراتيجيات الاستباقية التي تساعدها على التدخل الفوري عند وقوع أي طارئ.

ويأتي في الصدارة في هذا الجانب الإدارة المحكمة للمحتوى على قنوات التواصل الاجتماعي، والتفاعل الفوري مع أي تعليقات لسدّ أي فجوات قد يثيرها المتعاملون والمنافسون على حد سواء، لاسيما وأن أي منشور سلبي قد يكبر لاحقًا مثل كرة الثلج، ما لم يتم التعامل معه في حينه.

إن مثل هذه الهفوات، وإن كانت صغيرة، لعبت دورًا مباشرًا في فشل إدارات على مستوى شركات عالمية، وتركت تأثيرات لا يستهان بها على سمعتها ومكانتها بين متعامليها، وانعكست سلبًا على قوّتها في أسواق المال. وإذا كان من الضروري إبراز الجوانب المشرقة في الأداء، تكون الحاجة أكثر إلحاحًا للوقوف أمام أي نشاط قد يأتي على ما تم إنجازه طوال سنوات، وتحويله إلى فرصة لإبراز مواطن القوة، بالاعتماد على الردود المقنعة والاستناد إلى الوقائع الإيجابية التي تعزز مكانة المؤسسة، واستقطاب المزيد من المؤيدين، واتخاذ القرارات الملائمة بطريقة عقلانية، والابتعاد عن الارتجال والعشوائية والتسرّع.

ومع ذلك، ينبغي الاعتراف بحقيقة مهمة، وهي أن المتابعين على قدرٍ عالٍ من الذكاء، ويمتلكون القدرة على تفنيد الادعاءات واكتشاف الزيف. ولا يكون من مناص أمامنا سوى تقديم الحجج الدامغة بالاعتماد على سرد قوي، مع ضرورة الاختزال والتوجيه المباشر والدقيق للرسائل بشتى السبل، من قبيل الصورة أو الفيلم القصير أو الكتابة الإبداعية، أو الجمع بين عنصرين أو أكثر، لتحقيق أكبر قدر من التأثير.

إن هذه المتغيّرات هي التي أكسبت العلاقات العامة صفة العولمة، وفرضت عليها بيئة جديدة تعصف فيها المنافسة والتحدّيات، لتجبر الصناعة على الاستثمار بسخاء على التقنيات الحديثة، والتوصل إلى ابتكارات ثورية تضمن لها مواكبة مستجدات العصر.