نحن نترك الحقائق تفعل الحديث.

القيادة برؤية 10 أضعاف

شكرًا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

“أريد من جميع الجهات الحكومية التوصل إلى ثلاث أفكار مبتكرة في كل عام، وأن تكون قابلة للتطبيق، وبذلك فإن ما تطبّقه دبي الآن سيطبقه العالم بعد 10 سنوات”. بهذه العبارة، خاطب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي – “رعاه الله”، جمهور مستمعيه عندما أطلق مبادرة “دبي 10× يوم أمس الأول، بالتزامن مع اليوم الأخير من مؤتمر القمة العالمية للحكومات. وشدّد على ذلك عندما قال: “سوف أتابع شخصيًا تنفيذ ذلك”.

لقد حظي هذا البيان بدرجة عالية من الإعجاب منقطع النظير من قبل مبدعين بارزين حضروا القمة، من أمثال إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي “سبيس إكس” و”تيسلا”، ورئيس البنك الدولي الدكتور جيم كيم، ورئيس وزراء سلوفينيا سعادة الدكتور ميرو سيرار، وثلة من كبار الشخصيات الخليجية المرموقة. وإن كانت هناك من دلالة يمكن استقاؤها من ذلك، سنخرج بنتيجة مؤكدة، ألا وهي: أننا قبالة قائد يؤمن يقينًا بقدرات أعضاء فريقه ويضع جلّ ثقته بهم، لكنه يتخذ من المساءلة نهجًا معياره المعرفة، ووسيلة لإلهام الأجيال المتعاقبة.

شخصيًا، تحدوني مشاعر الفخر إزاء ما استقيته من إلهام منبعه شخصية سموه، لكوني أحد أفراد جيل استنار برؤيته الشاملة، واستظل بنور حكمته العميقة. وبما أنني ولدت ونشأت في هذا البلد، فقد كنت شاهدًا على الكم الهائل من التغيرات الجمّة التي تحققت على أرضه. وإذا بحثنا عن عنصر ظل ثابتًا بمرور الوقت، سنجد ذلك كامنًا في هدف التغيير، المتمثل في تحقيق الأفضل دائمًا. إن الحاضر هنا تتشكل معالمه على الدوام من الرؤية الساطعة، وستثمر جهود 10 سنوات من الآن تسطير إنجازات عملاقة يحتاج الآخرون إلى 100 سنة من الآن لتحقيقها. فما يحدث اليوم لا يقتصر على حفظ تراث الأمس فحسب، ولكنه يحمل في ثناياه أيضًا وعدًا بغدٍ أفضل. وهذا باعتقادي ما يسبغ على صاحب السمو سمات القيادة الحقّة.

لقد شهد العالم ولادة العديد من القادة العظام، فكان منهم قادة الفكر مثل ستيف جوبز، ورجال الأعمال مثل ريتشارد برانسون، والكثيرون من الحائزين على جائزة نوبل مثل نيلسون مانديلا، ولا ننسى زعماء عظامًا خلدهم التاريخ في سفره مثل غاندي، ومشاهير الفلاسفة مثل سقراط وأفلاطون. وأعتقد أن ما يضع صاحب السمو في خانة مختلفة عند مقارنته بالغير، هو ما يتمتع به من قدرة خلاقة للبناء على الإرث الكبير الذي خلّفه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيّب الله ثراه، وقيادته شؤون الأمة بفكر سبّاق. صحيح أن سموه يولي رعاية الشعب جلّ اهتمامه، ويحرص على إحراز التقدم بالاعتماد على الحوكمة المبتكرة، إلا أن تركيزه يظل منصبًا على نقل هذه القيم إلى الجيل القادم، ليتكسب القوة والمنعة أضعافًا مضاعفة – 10X.

من الناحية النظرية البحتة، قد تبدو مبادرة “دبي 10X” فكرة بسيطة جدًا، وهدفها التأكد من أن كل دائرة حكومية تسبق نظيرتها في أي مدينة أخرى بمعدل عشر سنوات، لكنني كلما قرأت عن المبادرة ذاتها وأهدافها وأبعادها (وما ترمز إليه علامة (X) من معانٍ من قبل التفكير المستقبلي خارج نطاق المألوف)، لا يسعني إلا أن أقف إجلالاً في حضرة مضامينها. ومع أنه يمكننا الإلمام بما تشتمل عليه المبادرة من مفردات مادية، مثل السيارات الآلية الطائرة ومسرّعات الطاقة الخضراء، سنجد أنفسنا أمام تحدّ كبير للإحاطة بطموحها الحقيقي، ما لم نتقن فن تحليل النواتج والمنجزات.

لفهم ذلك، دعونا نأخذ دائرة واحدة فقط نموذجًا استرشاديًا، وهي بلدية دبي على سبيل المثال، فهذه المؤسسة مطالبة بتطبيق ثلاث ممارسات مبتكرة، بالمواصفات المحددة لنطاقها وسرعتها التي لا يمكن مجاراتها على مدى الأعوام العشرة المقبلة، وهذا يعني حتميّة وصول تأثيرها إلى كل شريان من شرايين الحياة في المدينة، بما في ذلك جودة بنيتها التحتية، والغذاء والصحة لسكانها، ونوعية الهواء الذي يتنفسونه، والتوازن الأمثل في أنماط حياتهم، والمنازل التي يعيشون فيها، وما يحصلون عليه من خدمات. ولو أسقطنا ذلك على كيانات أخرى، مثل هيئة الطرق والمواصلات، شرطة دبي، دائرة التنمية الاقتصادية، هيئة الصحة، محاكم دبي، هيئة الثقافة والفنون، هيئة الكهرباء والماء، وغيرها الكثير من الدوائر والمؤسسات الحكومية، سنخرج بنتيجة لا جدال فيها، وهي أن دبي بعد سنة من الآن ستكون قد أطلقت العنان لطاقاتها، وستصل إلى مستوى تعجز أي مدينة عن مجاراته طوال عقد كامل من العمل الدؤوب. إن هذه هي القوة الهائلة التي وردت في هذا البيان البسيط، تمامًا مثل سائر الطروحات الفلسفية الكبيرة التي تحتاج إلى الكثير من التمحيص الشامل والتشريح الدقيق لمكامنها الفكرية.

إنها دعوة من أجل “احتضان الابتكار” واتخاذه نهج حياة في العمليات الحكومية اليومية، ليس من أجل تحقيق المزيد من الربح، وإنما للصالح العام .. لمواطني هذا البلد العظيم، والمقيمين مثلي الذين ينحدرون من 200 جنسية وأكثر، ووجدوا فيه ملاذًا يفخرون بانتمائهم إليه. وإذا زعم البعض القدرة على الغوص في دهاليز المستقبل، يبقى تشكيل معالمه واستشراف آفاقه قصة مختلفة تمامًا. ومع أن سموه توجه بالدعوة فقط إلى المؤسسات الحكومية في دبي، يظل الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام الأفراد للإسهام في هذه المبادرة ودعمها، وهذا ما يدفعني شخصيًا أن أجعل المبادرة نبراس حياة ونهج عمل لي ولفريقي أيضًا، لقناعتي التامة أن أفضل ما يقوم به المرء هو: حياكة نسيج مستقبله بيديه .. الآن الآن وليس غدًا!.