نحن نترك الحقائق تفعل الحديث.

التعامل مع الأزمات

-إلى متى ستصمد-

في الجزء الثاني، سأركز على مناقشة أهمية المحافظة على الشفافية وفتح قنوات التواصل المباشرة وغير المباشرة مع الجمهور ووسائل الإعلام، وابقائهم على اطلاع بكافة المستجدات والتحركات فيما يتعلق بالتدابير المتخذة للتعامل مع الأزمة.

يتضح جوهر قدرة العلاقات العامة على تحقيق التميز عندما تواجه المؤسسة أزمة قد تعصف بها، إذ تهدد تواجدها على أرض الواقع أو وضعها ومقدرتها على العمل والتنافس. ففي أوقات الأزمات تتعرض المؤسسة لضغوطات شديدة من وسائل الإعلام إضافة إلى الضغوطات التي يفرضها التعامل مع الجمهور الداخلي والخارجي، حيث تبذل المؤسسة “الغالي والنفيس” من أجل الحفاظ على حبل التواصل معهم في هذه الفترة العصيبة.

وما قد يعقد الوضع أكثر، أن جميع تحركات المؤسسة تصبح موضع مراقبة وتحليل وانتقاد من جمهورها بجميع شرائحه، خاصة أن مصالحهم مرهونة بنجاح المؤسسة أو فشلها، ولذلك فهم عادة يهتمون بتتبع ما ستؤول إليه حال المؤسسة في نهاية الأمر.

ونظرًا لأهمية الاتصال ودوره في التأثير على المجتمع كنظام يفرض رقابته على جميع الأنشطة وتسييراتها، فإن نجاح واستقرار المؤسسة مرتبط بسياسة الاتصال. ويعتبر المبدأ الرئيسي للاتصال في الأزمات هو عدم الانعزال والغوص في حالة نكران لما يحصل، الأمر الذي يؤدي في الأخير إلى تفاقم الأزمة نتيجة استثارة الشكوك، وفتح المجال للشائعات والأخبار المغرضة التي تفتح شهية المنافسين وتؤزم الأوضاع أكثر. بدل ذلك، ينبغي الاستفادة من وسائل الاتصال قدر الامكان.

وتوجد قاعدة ذهبية تقول: “عندما يُقدّم الخبر بسرعة فإنه يوقف زحف الشائعات والأقاويل، ويهدئ الأعصاب في الأوساط الاجتماعية”. وفي سبيل تحقيق ذلك، من المهم جداً وضع جدول محدد للتواصل مع الإعلام والجمهور، يتضمن الجهة الإعلامية والمادة الإعلامية المبرمجة للنشر حسب جدول زمني محدد ومدروس.

وفيما يتعلق بالمواد الإعلامية، من المهم إشراك العاملين في الشؤون القانونية والمستشارين لضمان الخروج برسالة إعلامية صحيحة، شاملة، ودقيقة من كافة الجوانب لتحقيق الأهداف المرجو منها، والمتمثلة في الحد من الخسائر، حماية سمعة المؤسسة، والخروج من الأزمة واستعادة مكانة المؤسسة تدريجيًا.

إن إدارة الاتصال في الأزمات مسألة تحتاج إلى الكثير من المهنية والاحترافية في إدارة قنوات الاتصال المختلفة، فكثير من الأزمات بدت صغيرة ومحدودة الآثار، وبسبب سوء التسيير والتعتيم على المعلومات وقطع قنوات التواصل والاتصال مع الجمهور الداخلي والخارجي والإعلام، مما أدى في كثير من الأحيان إلى انهيار كامل للمؤسسة. ولعل أفضل مثال للعواقب الوخيمة لسوء التسيير هو ما حدث للإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء “ناسا” التي عانت بسبب مأساة السفينة الفضائية الأمريكية ” تشيلينجر” التي انفجرت في العام 1986، حيث يصف أحمد ماهر الحالة قائلا: “إن الوكالة الأمريكية الهائلة للأبحاث الفضائية بدت بلا حول ولا قوة أمام هذه الكارثة”[1].

[1]أحمد ماهر: كيف ترفع مهاراتك الإدارية في الاتصال، الدار الجامعية، الإسكندرية 1997.ص.201