نحن نترك الحقائق تفعل الحديث.

الإعلام في حضرة “كورونا”

(2 / 2)

في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها العالم اليوم تحت وقع انتشار فيروس “كورونا” الجديد المعروف باسم “كوفيد 19″، استعرضت في الجزء الأول من هذا النص بعض المحن التي عاناها عالمنا مع الأوبئة التي قضت على مئات ملايين البشر عبر التاريخ، وانتصار الإنسان عليها رغم شدّتها. فقد استمرت الحياة، وكانت أقوى من الموت في كل محنة.

واستكمالاً للجزء السابق من النص، سأستعرض في جزئنا الثاني والأخير الدور المأمول من الإعلام في مثل هذه الظروف الاستثنائية، والآليات المثلى في عملية بث المعلومة إلى الجماهير، والمسؤوليات الأخلاقية التي يجب أن يتمتّع بها صنّاع الرأي العام.

إذا كانت الإجراءات الاحترازية التي توصي بها المرجعيات الصحية العالمية ضرورية جداً للحد من انتشار “كوفيد 19″، فإن هذا الأمر يجب ألا يكون مدعاة للهلع عند أفراد المجتمع الإنساني. هنا تبرز قيمة الدور الذي يمكن للإعلام القيام به في أوقاتنا العصيبة التي يمرّ بها عالمنا المرتبك! الإعلام الحقيقي والمسؤول مطالب بلعب دور المهدِّئ الشفاف، إذ في مثل هذه الظروف، يحتاج أفراد المجتمع إلى شكل هادئ ورصين في عملية بث المعلومة إليهم، فضلاً عن حاجتهم الماسة إلى الدعم المعنوي والتخفيف من الآثار الناجمة عن “صدمة المواجهة” مع هذا التحدي الجديد. إلى جانب ذلك، من المفيد تشكيل المعلومة في إطار إيجابي، قدر المستطاع، على خلفية أن الإنسان استطاع على مر التاريخ الانتصار على العديد من الأمراض الوبائية المماثلة التي أسقطت أعداداً هائلة من الضحايا بسبب التفشي الكبير لتلك الأوبئة في العالم.

غير أنه ومع السيل الجارف للقصص السطحية والفوضى العارمة في تناقل المعلومات والأخبار التي تفيض بها وسائل التواصل الاجتماعي، تصبح معركة الإعلام ذات شقين؛ الأول: استقاء المعلومات من  المصادر الطبية المتخصصة ضمن أخلاقيات المهنة وإيصالها بكل أمانة بعيداً عن التهويل وإثارة الذعر بين أفراد المجتمع.. أما الشق الثاني، فيتمثل في محاولة لجم الفوضى واللامسؤولية التي تهيمن عموماً على تلك الوسائل التواصلية عبر الوسائل ذاتها الخاصة بالمؤسسات الإعلامية. ومع مرور الوقت، سيدرك المتلقّي أنه كلما ازداد وعياً نأى بنفسه بعيداً عن الانخراط في “المماحكات” وهدر طاقاته الذهنية والجسدية على هذه المنابر “الحرّة”! واتجه أكثر صوب نوع من التأمل المعرفي والمحاكمات المنطقية؛ للتحقق من صدقية الأخبار التي تضخها ماكينات الإعلام في العالم على مدار الساعة.

وإذا كان الخط الفاصل بين العلم والخرافة رفيعاً للغاية، فإن هذه المسافة هي ذاتها التي تفصل بين الإعلام الرصين المسؤول الذي يؤدي بوظيفته في المجتمع على أكمل وجه، وبين اللهاث وراء رمي المعلومات كيفما اتفق بصرف النظر عن آثارها.